مراسلون بلا قيود

هذه مدونة مراسلي جريدة التجديد المغربية، تغطي الحدث في حينه، وتنقل تجارب شخصية حية لمراسلين صحفيين في الميدان.


أفراح في ظل الموت

 

 

 أفراح في ظل الموت
بقلم عبد الغني بلوط

هل يمكن أن نغني ونفرح، نستمتع ونمرح، ننتشي ونسرح، دون أن نشعر بالخجل أو بالغضب في ظل العدوان الصهيوني على المدن والقرى العربية في فلسطين ولبنان المستمر منذ زمان والمتصاعد هذه الأيام؟


ذلك هو السؤال الكبير الذي صدع رأسي، وهز كياني وأنا أتابع ندوة صحفية حول المهرجان الوطني للفنون الشعبية المنتهية فعاليته يوم الأحد الماضي بمراكش، بحضور أحد عمالقة الفن الشعبي الأصيل والملتزم هو لطفي بوشناق.


دارت في رأسي صور عديدة رأيتها هنا وهناك وكلمات طنانة سمعتها هنا وهناك، قبل أن أجد الجواب بعضه شاف وبعضه غير كاف ولا يعافي أي امرئ مهووس بهم هذه الأمة.


قلت في نفسي مهما بلغ العدوان ومهما بلغت مظاهر الذل والخذلان، لن ولن نسمح لذاك العدو الغادر أن يسرق الابتسامة من شفاهنا أو يقتل الأمل في نفوسنا، لن نجعله يمنعنا من إقامة أفراحنا وأعراسنا ونجاهده بالكلمة والزغرودة والدف، أو حتى نضربه بباقة ورد أعراسنا ضربا مبرحا كما فعلت العروس إيمان حداد في ربيعها الخامس والعشرين منذ أيام، حين ضربت جنديا صهيونيا محتلا بباقة ورد عرسها قبل أن يصيبها برضوض خفيفة، والعروس إيمان وعريسها منصور من الناشطين ضد الجدار الفاصل الذي تقيمه حكومة أولمرت الصهيونية الظالمة في أراضي الضفة الغربية، ولعلهما يقدمان رسالة لكل عريس جديد بكسر جدار الصمت داخله ويعده نفسه ألا يخذل شعب فلسطين أبدا وأن يربي أبناءه على حبها وحب الخير لهذه الأمة.


لم أتمالك نفسي وأبقيها في الندوة، فسرحت بنات أفكاري، وسرح فكري كيف أن أبناء الشعب العربي المسلم في فلسطين المحتلة لم يقهرهم العدو بجبروته وعنجهيته، واستمروا يتزوجون كل يوم ويقيمون حفلات الفن الشعبي فيه، والزغاريد تملأ فضاء المدن وإن امتزجت بأصوات الغارات والبنادق وصراخ الأطفال في آفاق أخرى، كان حتما عليهم أن يعيشوا الحياة على شظفها وفجائعيتها، ويخرجوا النايات والمجوزات والأراغيل، ويعمّروا أعراسا في ليالي الصيف، مع (السامر)، والدبكة، والزغاريد... كانوا يعرفون أن لا حياة لهم بدون المحافظة على تراثهم ودينهم ولغتهم، لا استمرار لهم بدون إنقاذ فنهم الشعبي من خطر النسيان والاندثار، لأن كل هذه الأهازيج والرقصات هي، والتعبير لكاتب فلسطيني، هي جزء من روحهم، ومن مكونات شخصيتهم، ومزاجهم، هي التي تشكّل مع الحكاية، والشعر الشعبي، والتطريز ملمحاً أصيلا من شخصيتهم وهويتهم، والحفاظ عليها حفاظ على تواصل أجيالهم، وجدارتهم بالحياة''.


رجعت سريعا إلى أجواء الندوة في ظل صخب واضح، وكلام غير مقبول، كنت أمني نفسي أن يتدخل أحد ويقول شيئا عما تعانيه فلسطين ولبنان: كلمة تضامن،إشارة نصر، حزن وألم..، لكن خاب أملي في أحدهم على الأقل، وهو رئيس اللجنة المغربية للموسيقى التابعة لمنظمة اليونسكو حين تحدث متباهيا بلغة غير عربية بالرغم من أن كل الحاضرين يفهمون اللغة العربية، ولم يكتف بذلك، بل قال بالحرف الواحد ''إن المغرب دولة فرنكوفونية''، متناسيا أن بلدنا حقق استقلاله منذ أكثر من نصف قرن، وأن دستوره يقول إن المغرب دولة عربية إسلامية، وإن لغته الرسمية هي اللغة العربية. كنت أود أن يذكر أخوانه الموسيقيين في فلسطين الذين حرموا من آلاتهم وكثير منهم سجن وكثير منهم قضى تحت الاحتلال وكثير لا يستطيع السفر بسب الحصار المفروض، لكن رئيس اللجنة سافر بي وبغيري إلى فرنسا وعاصمتها باريس ورأى أن الفن يمر عبرهما، مذكرا أنه لولا دعم هذه الأخيرة له ولأسرته لما كان لهم نفس الشأن الذي يتمتعون به الآن، متناسيا ما يلاقيه العرب والمسلمون من عنصرية هناك وطرد الطلاب ومنع الفتيات من الحجاب.


نقطة الضوء الوحيدة في الندوة الصحفية، وبعدما أحسست بدمعات حارقة على خدي لم أستطع حبسها، أخذ الكلمة الفنان العربي الأصيل لطفي بوشناق وناب عني كما ناب عن كثير ممن حضورا اشرأبت أعناقهم وتطاولت أيديهم لأخذ الكلمة، عبر لطفي بوشناق وبكل طلاقة وكأنه سياسي ماهر وناشط حذق ''كفى من الخذلان، كفى من الضحك على الذقون، هبوا جميعا لنصرة فلسطين ولبنان''، فناب عن المنظمين لهذه الندوة في المطالبة بالوقوف دقيقة ترحم على شهداء فلسطين ولبنان اللذين سقطوا ويسقطون في كل وقت وحين.


وبقدر ما سبب رئيس اللجنة آلاما لي ولكثير من الحاضرين مثلي بقدر ما أنساني ضيف الندوة لطفي بوشناق هذا الكمد بأسلوبه الفلسفي والمقنع، والذي يبدو من خلاله المطرب ذا رؤية واضحة ومحددة في الغناء وأنه ملتزم بخط معين ومحدد، قال عنه إنه ''أساس علاقته بأي فنان يريد أن يتعامل معه''. ولم يمنعه حبه للفن وإطرابه للناس والعشاق من أن يلتحم مع قضايا الأمة ويساهم في نشر ثقافة المقاومة والممانعة.


 

24/7/2006

أضف تعليقك | طباعة | إغلاق | رجوع | أرسل إلى صديق

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






>