| سياح أجانب يجربون الصيام في رمضان محاباة لأصدقائهم المغاربة | |
|
|
مراكش من عبد الغني بلوط كان من عادة السيد يوسف الذي يعمل بائعا لأعشاب طبية في قلب مدينة مراكش العتيقة أن يقدم لزبنائه من السياح المغاربة والأجانب كأسا من الشاي المنعنع عربونا على كرم الضيافة التي يتميز به التاجر المراكشي القح ، كما كان من عادته ألا يترك هذه العادة في رمضان بالنسبة لغير المسلمين.. يفعل ذلك من أجل أن يعطي المثال والقدوة في مجال احترام الديانات الأخرى ،وأن يوضح أن الدين الإسلامي دين يسر وليس دين عسر مبدؤه "لا إكراه في الدين" مع احترام عادات الغير وتقاليدهم. وهو ليس حالة نادرة داخل الأسواق في المدينة الحمراء بل هو حالة متكررة تقبل أن يأكل السائح الأجنبي ويشرب في حضورها أثناء رمضان دون شعور بالاشمئزاز أو غليان الرأس...
كانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف مساء من يوم رمضاني قصير، حين جلس السيد يوسف على أريكته في دكانه الصغير كالعادة ينتظر وقت صلاة المغرب وموعد الإفطار، لكنه فوجئ حين دخل عليه على غير عادتهم ثلاثة من أصدقائه السياح الأجانب ، واندهش أكثر حين امتنع هؤلاء ،الذين عرفهم منذ مدة ويزرونه من حين لآخر، عن شرب الشاي المنعنع بحجة أنهم صائمين أو لنقل كما قالوا يجربون الصيام محاباة لصديقهم يوسف الذي أصبته دهشة غير خفية عن مثل هذا السلوك الجميل. غير بعيد عن دكانه كان من المثير للملاحظة توافد كثير من السياح إلى قلب المدينة قبيل آذان المغرب،علق السيد تروسيي وهو فرنسي من أصل جزائري ،والذي أخذ مكانا في قلب الدكان:" إنهم يفعلون ذلك ليس للمساهمة في أزمة السير التي تعرفها الأزقة من كثرة الرجلين في الأزقة الضيقة ،ولكن تشوقا لرؤية كثير من التجار ممن يفضلون تناول وجبة الإفطار في دكاكينهم.وتقول زوجته صوفيا إن السياح يستمتعون أكثر بمشاهد الصائمين وهم يقضون حوائجهم في الأسواق الصغيرة ، كما يشدهم ذلك "الإفراغ" التدريجي للمارة من الشوارع العامة ، ومنظر العديد من التجار منكفئين على موائدهم يكسرون يوما من الصيام ويبتهلون إلى خالقهم أن يتقبل منهم .وقد ترى في عيون الكثير منهم رغبة قوية في افتراش ارض الدكاكين الصغيرة كما يفعل "المتعلمون" من أجل احتساء طبق من الحريرة الشهي. في دكان صغير آخر كان "متعلم" السيد حاتم يستعد لتوزيع صحون الحريرة على جيرانه " معلمه" صاحب المحل ،والمتحلقين حول " مائدة الإفطار" التي تزينها حبات من التمر وكؤوس من اللبن الصافي، فيما كانت سيدة كندية وزجها ينتظران مع المنتظرين سماع الآذان لأنها وبكل بساطة صائمة هذا اليوم بالرغم من كونها غير مسلمة. حين سألناها عن سبب صيامهما ، أجابت بعد أن سمعت الآذان وطلقات المدفع و"الزواكة" وهي تلتهم طبق الحريرة الشهي المعطر بالأعشاب الطبية والتوابل المغربية، إن تجربة الصيام تجربة فريدة من نوعها وقد سمعت به في بعض القنوات الكندية ، وجربته في بلدها نظرا لأهميته الصحية ،لكنها شعرت أن زيارة أي بلد عربي في شهر رمضان سيتيح لها الاقتراب أكثر من هذه التجربة الفريدة من نوعها. في مكان غير بعيد يتكرر المنظر نفسه ، لكن هذه المرة في المطاعم الشعبية الموجودة في ساحة جامع الفنا الشهيرة حيث يجلس العديد من السياح إلى جانب الصائمين الذين فضلوا حريرة الساحة على حريرة الدكان ،مثلهم مثل أولئك الذين لم تسعفهم الظروف الالتحاق بمنازلهم لتناول وجبة الإفطار حيث إن الكثير من المعاملات التجارية مع السياح لا تبدا إلا بعد صلاة التروايح وسيكون الأمر شاقا إذ هم أفطروا في منازلهم ورجعوا إلى دكاكينهم بعد ذلك. على كرسي خشبي طويل وضيق كان يتأهب روميو وهو فتى برتغالي لأخذ نصيبه من حريرة رمضان ، وما إن أعطي "الإذن بالإفطار" ، حتى بدأ يتسابق إلى تقديم صحنه إلى عامل المطعم. قلت له مازحا "أولا تنتظر حتى يفطر الصائمون ؟"، أجاب ضاحكا: " أنا منهم وإلا لما وجدتني هنا اليوم "، بسرعة أخذه الحديث عن تجاربه مع صيام رمضان ، حيث اعتاد أن يقضي بعض أيامه في المغرب إعجابا بأجوائه ، ولم يخف فيليب ضعفه في تحمل الجوع حين أشار أنه لا يقدر أن يصوم اليوم كاملا لكنه يفضل عدم تناول أي شيء خارج مكان إقامته نهارا احتراما لمشاعر الصائمين ، لذا فقد صام اليوم منذ خروجه في الساعات المتأخرة من الصباح ، وتسائل أي قوة تلك يمنحها الصيام للصائمين حتى يتحملون مشاقه. روميو قال أيضا "غدا سأجرب صوم اليوم كاملا و"ليكن الرب معي لمساعدتي ". غير بعيد من روميو جلس فيلب ولولا وساندرا وكثيرون آخرون يلتهمون أطباق الحريرة ، قالت الفتاة البلجيكية ساندرا إنها تأتي هنا لتجرب أجواء الإفطار الجماعي مع مغاربة تفننوا في كرم الضيافة ، وقالت صديقتها "لولا" إنها تصوم فعلا حيث كان تستهويها سماع أخبار أكثر عن الإسلام والمسلمين وخاصة شهر رمضان وقد تمنت أن تعيش التجربة في أحضان منزل مغربي أصيل لكنها لم تفلح وفضلت المجيء إلى ساحة جامع الفنا. آخرون كانت لهم الحظوة أن تستقبلهم أسر مغربية أثناء إفطار جماعي للعائلة. يقول الشاب حسن الذي يعمل مرشدا سياحيا ، إن العديد من السياح ابدوا رغبة ملحة في حضور إفطار جماعي مع عائلة مغربية ، سواء رغبة في التعرف على عادات لا تقرأ في كتب الرحلات ولا كتب الفولكلور أو لتغيير أجواء المطاعم الفاخرة الباردة برودة أصحابها ... !!.الشاب حسن يحكي عن العديد من مرافقيه من السياح في رحلات جبلية يستغربون من مكوثه طيلة النهار بدون أكل ولا شرب بالرغم من الجهد الذي يبذله في إرشادهم إلى مناظر جميلة من المغرب العميق في رحلات قد تستغرق يوما كاملا مشيا على الأقدام ، الإيمان وحده يشرح الشاب حسن لمرافقيه- أو يتركهم يكتشفونه- يجعل المرء يتحمل ذلك ، كثير منهم يتفهم وكثير منهم حاول الامتناع عن الطعام "تضامنا" مع حسن وكثير منهم لم يقدر على ذلك ، وعائلة من زوجين صامت اليوم كاملا طمعا في أن تحظى بشرف استقبال الشاب حسن في منزله لتناول وجبة الفطور الجماعي. قصص أخرى لاكتها الألسن حين عرفت أننا نبحث عن نماذج من سياح أجانب جربوا الصيام ،وقال بعض العارفين إن رمضان جعل أسبانيا يعتنق الإسلام بل اصبح يواظب على صلاة التراويح. وقال آخرون إن نماذج أخرى ملتصق عملها بالميدان السياحي المتصاعد في المدينة الحمراء أعطوا النموذج الحي لنفوس تتعلق برمضان وتنشط قلوبها وترحب بهذا الزائر العزيز والضيف الكريم وكأنها تقول لكل سائح المسلمون هكذا وليس كذلك.
| |||||||||||||||













